السيد محمد تقي المدرسي
16
الإمام السجاد (ع) قدوة وأسوة
وكما يتحدى الإنسان بالولاية نزعة الكبر وادِّعاء الربوبية في ذاته ، يتحدى بها نزعة الطمع وشهوات الدنيا ؛ لأن من يُطِعْ أولياء الله يُحَارِبْهُ طغاة الأرض والمترفون في الدنيا بشتى وسائل الحرب ، بالدعاية المضادة ، وبالتضييق الاقتصادي ، وبالأذى الجسدي ، وحتى بالتشريد والقتل . ولأن الولاية كانت امتحاناً عظيماً للإنسان ، جُعلت شرطاً لقبول الأعمال ، حيث إن هدف سائر الطاعات تذليل النفس البشرية المتفرعنة والمتجبرة ، وتذليلها لطاعة ربها ، وتطهيرها من عبودية الله عن دنس الكبر والشرك والشك . وهذا الهدف يبلغ قمته بالولاية ، حيث يخضع البشر لبشر مثله لا يتميز عنه بجاهٍ عريض ، ولا بثروة واسعة وإنما يأمره الله تعالى بذلك ، وهذا ما تأباه النفس أشد الإباء . وقد سأل بعضُهم أن يَنزل عذابُ الله الواقع لكيلا يؤمن بالولاية . وها نحن نقرأ معاً أحاديث في فضل الولاية ، لنعرف مدى فضلها وكيف أنها قطب الرحى في تعاليم الوحي . جاء في حديثٍ مفصلٍ عن أمير المؤمنين عليه السلام في إجابته لأسئلة زنديق : « أَنَّ الْإِيمَانَ قَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ : إِيمَانٍ بِالْقَلْبِ وَإِيمَانٍ بِاللِّسَانِ ، كَمَا كَانَ إِيمَانُ المُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله لَمَّا قَهَرَهُمُ السَّيْفُ وَشَمِلَهُمُ الْخَوْفُ ؛ فَإِنَّهُمْ آمَنُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ، فَالْإِيمَانُ بِالْقَلْبِ هُوَ التَّسْلِيمُ لِلرَّبِّ ، وَمَنْ سَلَّمَ الْأُمُورَ لِمَالِكِهَا لَمْ يَسْتَكْبِرْ عَنْ أَمْرِهِ كَمَا اسْتَكْبَرَ إِبْلِيسُ عَنِ السُّجُودِ لآِدَمَ ، وَاسْتَكْبَرَ أَكْثَرُ الْأُمَمِ عَنْ طَاعَةِ أَنْبِيَائِهِمْ ، فَلَمْ يَنْفَعْهُمُ التَّوْحِيدُ كَمَا لَمْ يَنْفَعْ إِبْلِيسَ ذَلِكَ السُّجُودُ الطَّوِيلُ ، فَإِنَّهُ سَجَدَ سَجْدَةً وَاحِدَةً أَرْبَعَةَ آلَافِ عَامٍ لَمْ يُرِدْ بِهَا غَيْرَ زُخْرُفِ الدُّنْيَا وَالتَّمْكِينِ مِنَ النَّظِرَةِ ؛ فَلِذَلِكَ لَا تَنْفَعُ الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ إِلَّا مَعَ الاهْتِدَاءِ إِلَى سَبِيلِ النَّجَاةِ وَطَرِيقِ الْحَقِّ » « 1 » .
--> ( 1 ) بحار الأنوار ، ج 27 ، ص 57 .